الشيخ الأنصاري
9
فرائد الاُصول ( طبع انتشارات اسلامي )
وقد يقرر دلالة العقل على ذلك بأنا إذا فرضنا شخصين قاطعين بأن قطع أحدهما بكون مائع معين خمرا وقطع الآخر بكون مائع آخر خمرا فشرباهما فاتفق مصادفة أحدهما للواقع ومخالفة الآخر فإما أن يستحقا العقاب أو لا يستحقه أحدهما أو يستحقه من صادف قطعه الواقع دون الآخر أو العكس لا سبيل إلى الثاني والرابع والثالث مستلزم لإناطة استحقاق العقاب بما هو خارج عن الاختيار وهو مناف لما يقتضيه العدل فتعين الأول . ويمكن الخدشة في الكل . أما الإجماع فالمحصل منه غير حاصل والمسألة عقلية خصوصا مع مخالفة غير واحد كما عرفت من النهاية وستعرف من قواعد الشهيد قدس سره والمنقول منه ليس حجة في المقام . وأما بناء العقلاء فلو سلم فإنما هو على مذمة الشخص من حيث إن هذا الفعل يكشف عن وجود صفة الشقاوة فيه لا على نفس فعله كمن انكشف لهم من حاله أنه بحيث لو قدر على قتل سيده لقتله فإن المذمة على المنكشف لا الكاشف . ومن هنا يظهر الجواب عن قبح التجري فإنه لكشف ما تجري به عن خبث الفاعل لكونه جريئا عازما على العصيان والتمرد لا عن كون الفعل مبغوضا للمولى . والحاصل أن الكلام في كون هذا الفعل الغير المنهي عنه واقعا مبغوضا للمولى من حيث تعلق اعتقاد المكلف بكونه مبغوضا لا في أن هذا الفعل المنهي عنه باعتقاده ينبئ عن سوء سريرة العبد مع سيده وكونه جريئا في مقام الطغيان والمعصية وعازما عليه فإن هذا غير منكر في هذا المقام كما سيجيء ولكن لا يجدي في كون الفعل محرما شرعيا لأن استحقاق المذمة على ما كشف عنه الفعل لا يوجب استحقاقه على نفس الفعل ومن المعلوم أن الحكم العقلي باستحقاق الذم إنما يلازم استحقاق العقاب شرعا إذا تعلق بالفعل لا بالفاعل . وأما ما ذكر من الدليل العقلي فنلتزم باستحقاق من صادف قطعه الواقع لأنه عصى اختيارا دون من لم يصادف . قولك إن التفاوت بالاستحقاق والعدم لا يحسن أن يناط بما هو خارج عن الاختيار ممنوع فإن العقاب بما لا يرجع بالأخرة إلى الاختيار قبيح إلا أن عدم العقاب لأمر لا يرجع إلى الاختيار قبحه غير معلوم . كما يشهد به الأخبار الواردة في أن ( : من سن سنة حسنة كان له مثل أجر من عمل بها ومن سن سنة سيئة كان له مثل وزر من عمل بها ) .